فيلولوجيا الإسلام: قراءة في لغة القرآن وتاريخ الخلافة
بقلم شيرين علوش
كاتبة ومترجمة – سوريا
يضع كتاب «فيلولوجيا الإسلام: القرآن، الإسلام، الخليفة»، للمستشرق الألماني ثيودور نولدكه (Theodor Nöldeke)، قارئه أمام طريقة في البحث تنطلق من ألفاظ النصوص وأشكالها لتصل إلى تاريخ الجماعات التي قرأتها واستندت إليها في تنظيم حياتها، وقد صدر الكتاب عن المركز الأكاديمي للأبحاث، بترجمة وتقديم هشام شامية، في طبعته الأولى عام 2024، ويضم ثلاثة فصول تتيح متابعة أسئلة نولدكه عن القرآن، ونشأة الإسلام وتحولاته، وتكوين السلطة العباسية في عهد أبي جعفر المنصور.
تكتسب هذه المقاربة أهميتها من طبيعة المادة التي تتناولها، إذ يصلنا التاريخ الإسلامي المبكر عبر نصوص تتداخل فيها العقيدة بالرواية التاريخية، وتجاور أخبار الوقائع تأويلات أصحابها ومواقفهم، ومن ثم تحتاج القراءة إلى معرفة ما تقوله المصادر، وكيف تقوله، والظروف التي صاغت عباراتها، وهنا يتضح معنى الفيلولوجيا بوصفها درساً للنص في لغته وتاريخه، فاختلاف لفظ أو قراءة، أو تغير أسلوب الخطاب، قد يفتح سؤالاً عن زمن النص ووظيفته، وعن الصلة بين صورته التي نقرأها والمراحل التي سبقت استقرارها.
تبدأ خطاطة الكتاب بفصل عن القرآن يتناول موضوعاته وبنيته وخصائص أسلوبه، ويتتبع أصول بعض مفرداته، ثم ينتقل إلى ترتيب السور وفواتحها وجمع المصحف وقراءاته، ويعالج الفصل الثاني الإسلام في عقائده وشعائره ومساره السياسي، ممتداً إلى الخلافات المذهبية والتصوف وصعود العثمانيين، أما الفصل الثالث فيخصصه نولدكه للمنصور، فيقرأ من خلال سيرته انتقال العباسيين من حركة تسعى إلى الحكم إلى دولة تعمل على تثبيت سلطانها، وتسمح هذه البنية برؤية العلاقة بين البحث في النص والبحث في التاريخ الذي تكوّن حوله.
في الفصل الأول، ينطلق نولدكه من التمييز بين ترتيب السور في المصحف وترتيب ظهورها التاريخي، ويبحث عن قرائن هذا الترتيب في موضوعات الخطاب وإيقاعه وطول مقاطعه، مستعيناً بما تنقله الروايات الإسلامية عن مناسباته، ويربط الفروق بين المكي والمدني بتغير موقع النبي محمد، من الدعوة في مكة إلى قيادة الجماعة في المدينة، فتغدو الآيات المتصلة بالتشريع وتنظيم العلاقات مادة لفهم ظروف نشأتها، وتبرز قيمة هذا المسار في الجمع بين الأدلة اللغوية والأخبار التاريخية، مع إقراره بأن عدداً من التواريخ والصلات يظل غير محسوم.
ويتخذ البحث اللغوي صورة أوضح عند تناوله الكلمات التي يردّها إلى أصول غير عربية، فيقف عند ألفاظ مثل «فرقان» و«ملة»، ويصلها، وفق تفسيره، ببيئة آرامية ويهودية ومسيحية، وتحمل هذه المناقشة القارئ على النظر في انتقال المفردة بين اللغات، وفي المعاني التي تكتسبها داخل استعمال جديد، كما يدرس قصص الأنبياء والقديسين وصلتها بالموروث الديني السابق، ويقارن طرائق عرضها ووظيفتها في الخطاب القرآني، وتبقى هذه الاشتقاقات والموازنات حججاً يقترحها المؤلف، تتحدد قوتها بمقدار ما يسندها من شواهد لغوية وتاريخية.
ومن المواضع الدالة على طريقته عودته إلى بعض آرائه السابقة ومراجعتها، فعند بحث فواتح السور، يذكر أنه اقترح من قبل ردّ حروفها إلى أصحاب نسخ مكتوبة، ثم يرجّح عودتها إلى النبي نفسه، وفي حديثه عن تركيب السور يحذر من الإفراط في تفكيكها، ويلفت إلى ما يمنح سوراً مثل يوسف وطه تماسكها، وتكشف هذه المراجعات عن بحث يختبر فروضه ويعدّلها، وتتيح للقارئ التمييز بين الخبر المنقول والتفسير الذي يبنيه الباحث عليه، وهو تمييز تزداد الحاجة إليه حين تتعدد الاحتمالات التي يسمح بها الشاهد الواحد.
وعندما يتناول جمع القرآن، يتابع الروايات المتعلقة بزيد بن ثابت وتوحيد المصاحف في عهد عثمان، ثم يصلها بمسائل الرسم والتنقيط والقراءات، ويميز بين تثبيت النص وبين استمرار الجدل حول وجوه قراءته وتفسيره، ويتضح هنا مقدار اعتماده على التراث الإسلامي نفسه، بما فيه كتب التفسير وأخبار المصاحف، فهو يعود إلى هذه المادة لفهم النص حتى حين ينتقد بعض رواياتها، ومن خلال هذا الفصل يمكن إدراك اتساع العمل الذي يقع بين تداول الآيات في الجماعة الأولى وظهور تقاليد علمية متخصصة في ضبط المصحف وشرحه.
يتسع مجال النظر في الفصل الثاني ليشمل الإسلام بوصفه ديناً يعيشه الناس وتتشكل في إطاره علاقاتهم، فيتناول نولدكه الصلاة والصوم والحج، ثم ينتقل إلى الأحكام المنظمة للملكية والأسرة وشؤون الجماعة، ويلحظ في الحج، على سبيل المثال، دوراً في التقاء المسلمين القادمين من أقاليم متباعدة وتبادلهم الأفكار، فتظهر الشعيرة ضمن الحياة الاجتماعية التي تسهم في صنعها، ويتيح الانتقال من العبادات إلى الخلافة والخلافات المذهبية تتبع تشابك الانتماء الديني بالمصالح السياسية، وكيف تكتسب النزاعات على الحكم تعبيرات عقدية تستمر بعد انقضاء وقائعها الأولى.
ويمنح فصل المنصور هذه العلاقة ملامح أكثر تحديداً، إذ يتتبع نولدكه القوى التي مهدت لصعود العباسيين، ومكانة خراسان وأبي مسلم في نجاح حركتهم، ثم يقرأ جهود الخليفة في إخضاع المنافسين وضبط الأقاليم، ويتابع علاقته بالعلويين وبأفراد أسرته والقادة الذين قد تتحول قوتهم إلى تهديد لحكمه، ومن هذه الوقائع تتكون صورة لحاكم يقترن اقتداره في الإدارة بشدة الارتياب والعنف، ويصبح تثبيت الدولة مساراً يمكن متابعة وسائله وتكاليفه، من توزيع المناصب إلى قمع الثورات وإعادة ترتيب مراكز النفوذ.
وتحظى بغداد في هذا السياق بأهمية تتجاوز خبر تأسيس مدينة، فنولدكه يربط اختيار موقعها على دجلة، وصلته بالفرات عبر القنوات، بقدرة العاصمة على استقطاب السكان والتجارة وخدمة الحكم، ثم يتوقف عند توزيع الجند، ونقل الأسواق، والتحصينات التي تحمي مركز السلطة، وتمنح هذه التفاصيل المكان دوراً في تفسير السياسة، إذ يقرأ اختيار العاصمة بوصفه جزءاً من بناء الدولة والابتعاد عن بيئات يصعب الاطمئنان إلى ولائها، وهكذا تتصل جغرافية المدينة بأمن الخليفة وإدارة إمبراطورية واسعة.
وتستدعي قراءة هذه الفصول الانتباه إلى زمن كتابتها وافتراضات صاحبها، فالأحكام التي يطلقها نولدكه على الشعوب الشرقية، وموازناته بين الإسلام والمسيحية، وبعض تفسيراته النفسية لشخصية النبي، تحمل آثار التصورات الأوروبية في القرن التاسع عشر، وفي مواضع تتقدم عبارته الجازمة على ما يستطيع الشاهد إثباته، ولهذا يحتاج القارئ إلى مساءلة المسافة بين دقة الملاحظة اللغوية واتساع النتيجة المستخلصة منها، فالتشابه بين لفظين أو خبرين يقتضي بحثاً في سياق استعمالهما وطرائق انتقالهما، كما أن وصف جماعة كاملة بصفة ثابتة يختزل اختلاف تجارب أفرادها وتاريخهم.
وتعين مقدمة هشام شامية القارئ على وضع هذه الدراسات في سياق المحاولات الأوروبية لتأريخ القرآن، إذ تتتبع صلة مشروع نولدكه بأعمال سبقته، وتعرض جانباً من تكوينه اللغوي، وتوضح الغرض من نقل هذه البحوث إلى العربية، كما يشرح المترجم إضافته عناوين فرعية وتعليقات توضيحية، واستعانته بنص الآيات حين يحتاج الاقتباس إلى مزيد من البيان، وهي عناية تساعد على متابعة المناقشة وتيسر الرجوع إلى موضوعاتها، وتمنح القارئ العربي فرصة التعامل مع الحجة في تفاصيلها، ثم مراجعة مقدماتها ونتائجها.
تكمن فائدة «فيلولوجيا الإسلام» في إتاحته هذا الاشتغال على النصوص والأخبار، وفي ما يكشفه من إمكانات المنهج وحدوده، فقارئه يتابع كيف يستدل الباحث من صيغة لغوية على سياق، وكيف يوازن بين روايات، وكيف يعيد النظر في افتراض سابق، ويختبر في الوقت نفسه المواضع التي تتدخل فيها أحكام العصر وتفضيلات صاحبه، ومن ثم تغدو قراءة نولدكه مناسبة لتوسيع أدوات السؤال عن بدايات الإسلام، وللتدرب على فحص الأدلة التي تستند إليها الكتابة التاريخية، وهي فائدة تبقى حاضرة حتى حيث يظل الاختلاف مع المؤلف قائماً.